في عتمة المعركة اليومية التي يخوضها مرضى الفصام (انفصام الشخصية) لاستعادة صلتهم بالواقع تلوح الأدوية المضادة للذهان كطوق نجاة يعيد رسم ملامح الحياة الطبيعية لديهم. غير أن هذا الاستقرار النفسي الثمين يبدو وكأنه يأتي محملًا بـ "فاتورة بيولوجية" باهظة تدفعها أجهزة الجسم الأخرى في خفاء؛ هذا ما باحت به تفاصيل أطروحة دكتوراه علمية رصينة نُوقشت في كلية العلوم بجامعة تكريت للباحثة فاتن عامر محمد، وتحت إشراف الأستاذ المساعد الدكتورة شيماء عيسى أحمد.
تنطلق الحكاية البحثية من ممرات المؤسسات الصحية ومستشفيات ابن سينا والسلام في نينوى وصلاح الدين، حيث عكفت الباحثة على مدار أشهر جمع عينات دم من ٦٠ مريضًا مصابًا بالفصام، ممن استقرت حالتهم تحت تأثير بروتوكول علاجي منتظم لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، ومقارنتهم بـ ٣٠ شخصًا من الأصحاء تمامًا. كانت المهمة واضحة: سبر أغوار مصل الدم البشري وتتبع الأثر الكيميائي والحيوي الذي تتركه تلك العقاقير على جسد المريض.
وجاءت النتائج لترسم لوحة معقدة من التفاعلات فمن جهة النواقل العصبية التي تحكم المزاج والسلوك، سجلت الدراسة انخفاضًا معنويًا حادًا في مستويات هرمون "السيروتونين" (هرمون السعادة) لدى المرضى، يقابله صعود حاد ومتزامن في مستويات هرموني الجهد والتوتر "الإبينفرين" و"النوربينفرين". هذا الاختلال الهرموني العصبي الشامل يعكس حجم الجهد الفسيولوجي الذي يرزح تحته الدماغ لمقاومة المرض.
ولم تكتفِ الأطروحة برصد الجوانب المرضية، بل حققت إنجازًا كيميائيًا حيويًا موازيًا بنجاح الباحثة في عزل وتنقية إنزيم السيتوكروم (Cytochrome P450) من عينات الأصحاء بنسبة نقاء ممتازة بلغت ٧٦.١٥٪، وبوزن جزيئي قُدّر بنحو ٦٠ كيلو دالتون.
تفتح هذه الدراسة السريرية المنظمة من قلب جامعة تكريت نافذة جديدة للطب الشخصي (علم الصيدلة الجيني)؛ مبرهنةً أن علاج الأمراض النفسية لا يمكن أن يقتصر على ضبط المزاج والسيطرة على الأوهام فحسب، بل يتطلب رؤية طبية شاملة تتابع بدقة أدق التفاصيل الحيوية في جسد المريض لضمان حمايته من الأعراض الجانبية الأيضية، تحقيقًا لشعار "جسد معافى.. لنفس مطمئنة".